وهبة الزحيلي

60

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

صارت سوداء كالليل الأسود المظلم . ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها ، أو لم يبق منها شيء . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إياكم والمعاصي ، إن العبد ليذنب الذنب ، فيحرم به رزقا قد كان هيئ له ، ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ ، وَهُمْ نائِمُونَ ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم » . ولكنهم لم يدروا بما حدث ، وانطلقوا مصمّمين على ما أرادوا ، فقال تعالى : فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ، أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ أي فنادى بعضهم بعضا وقت الصباح ، ليذهبوا إلى الجذاذ أي القطع : أن اخرجوا مبكرين في الصباح إلى الثمار والزرع ، إن كنتم قاصدين للصرام أي القطع . قال مجاهد : كان حرثهم عنبا . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ أي فبادروا مسرعين إلى حرثهم ، وهم يتسارون ويتناجون ويقول بعضهم لبعض : لا تمكّنوا اليوم فقيرا يدخل عليكم ، فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم . وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ أي وذهبوا في الغداة مبكرين ، زاعمين أنهم قادرون على الصرام ومنع المساكين وحرمانهم . فقوله : عَلى حَرْدٍ على قصد المنع ، وقيل : الحرد : القصد والجدّ والسرعة . وقوله : قادِرِينَ من باب عكس الكلام للتهكم . وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء ، فعورضوا بنقيض مقصودهم . فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا : إِنَّا لَضَالُّونَ أي فلما وصلوا إليها وشاهدوها وهي على الحالة المؤلمة من الاحتراق والسواد ، قال بعضهم لبعض : قد أخطأنا وتهنا طريق جنتنا ، وليست هذه .